الأحد، 27 ديسمبر 2015

كذبة قديمة هي تلبس شيطان الجن بالبشر


‏حقيقة تلبس الشيطان

وجلسات تحضير الجان..

قراءة معاصرة لكتاب شمس المعارف الكبرى




‏شمس المعارف الكبرى مخطوطة من أندر المخطوطات الروحانية ‏لها تأثير لا يمكن إنكاره على ثقافتنا العربية والإسلامية بالرغم أنه كتب في حقبة العصور الوسطى ولكن مازال تاثيرها قويا على قارئه . هذه المخطوطة منعت من التداول  بل و حرم قرائتها حازت على شهرة كبيرة في المجتمعات العربية والإسلامية .



شمس المعارف الكبرى لأبي العباس أحمد بن علي البوني المولود بمدينة بونة في الجزائر و تسمى حاليا بعنابة متوفى سنة ٦٢٢ه/١٢٢٥م كان وليا من اباطرة الصوفية. قال عنه الزركلي في كتابه الإعلام:"هو أحمد بن علي بن يوسف أبو العباس صاحب المصنفات في الحروف متصوف نسبته إلى بونة حيث ولد وتوفي بالقاهرة".

أولاً: تمهيد
قبل أن نسترسل حديثا عن مخطوطتنا هذه نود أن ننوه ببعض الأمور:
١. لا يحض هذا المقال وبأي شكل من الأشكال على ممارسة الشعوذة بل للإطلاع على مخطوطة هامة في التاريخ الاسلامي ونقدها موضوعياً وعرضها على علم النفس.
‏٢. نشكك بأن يكون لهذه المخطوطة أي تأثير فعلي ومع ذلك أنبه إلى إمكانية تأثيرها على البعض إن وجد عوامل الإخلال النفسي والعصبي وآمنوا بفعاليتها

‏٣. قد تؤثر كتب مشابهة في عملية الإيهام تصل للهلوسةالبصرية بأشخاص لايؤمنون أصلا بالماوارائيات ولكن بعد ساعات من التحضير النفسي ينهاورون عصبيا. ومن أمثلة ذلك، مخطوطة "إنجيل الشيطان" والتي تقول الأسطورة أنها كتبت بمساعدة الشيطان وتعرف بـ مخطوطات جيجاس Codex Gigas



‏٤.ان ثقافتنا المعززة بتفسيرات خاطئة لنصوص قرآنية سهلت الإيمان بتاثير الارواح وحفزت على التأثير النفسي لهذه الكتاب وسنأتي على ذكرها في الخلاصة
‏٥. نستخدم مصطلحات التأثير النفسي والعصبي نتيجة للاعتلال الثقافي والفكري ولا نستخدم مصطلحات أخرى لعدم ايماننا بتاثير الأرواح والجان المباشر
‏٦. يلاحظ طمس هيئات الأوفاق والطلاسم لكي تلغي تأثرها "المزعوم" كما لم نورد ما أُدعي أنه تحضير للأرواح حتى لا تمارس وتؤثر على الصحة العقلية


‏ثانياً: مقدمة الكتاب




يبدأ الكاتب بالقول أنه يسأل المولى أن يجعل هذا الكتاب وما قدمه فيه خالصا لوجه الله و صدقة مقبولة بين يدي نجواه . ‏وقال أيضا “إن للحق أعلام وللحقيقة نظام وللأرواح بالمعارف الإلهيات إلحاح والوسيلة المطلوبة والقدرة على أقسامها موهوبة" .
‏يتضح من المقدمة ان الكاتب يتكلم لغة دينية لا تختلف عن لغة فقهائنا كما يستخدم  معتقدات إسلامية وتضميناً لنصوص قرانية مقدسة ‏وهذه الممارسات تثير مخاوف رجال الدين لأن الكتاب يتضمن أقساماً لأسماء أعجمية تعتبر الإستعانة بها او تمجيدها شرك اكبر.

‏ثالثاُ: الفصول
تحتوي مخطوطة
(شمس المعارف الكبرى) على اربعين فصلاً تتوزع على أكثر من خمسمائة وثلاثون صفحة!!
‏ومن خلال قرائتي للكتاب يتضح ان الكاتب تدرج ابتداءا من العلم بشرف أسماء الله وما أودع في بحرها من أنواع الجواهر الحكيمات واللطائف الإلهيات ‏وصولا إلى كيفية استقراء أسماء السور والآيات في الاستشفاء ثم انتقل إلي


التطير والاستبشار بالافلاك والنجوم حتى وصل إلى فك الاسحار وعقدها. ‏وبالتالي.. فقد بدأ ابو العباس البوني في كتابه شمس المعارف شيخاً، ثم منجما، فمعالجا للأسحار والاقران ، حتى اصبح محضر للجان والشياطين!! ‏‏حيث ربط السحر بالكواكب لأن بعض السحرة والشياطين يقومون بعبادة الكواكب والتقرب لها مستندين على طقوس عبادة قديمة.
 ‏ثم تدرج الكاتب إلى شرح علم الأرقام و يعتبره معتقد يفسر وجود علاقة روحية بين الأعداد والكائنات الحية والجامدة في الكون. ‏وهو يعتبر علم الأرقام عامل أساسي في علوم الفلك والتنجيم والكيمياء ومرتبط بصلة وثيقة بالغيبيات والسحر وعلم الأبراج .
‏فعلى سبيل المثال يذكر أن من كتب حرف الدال على طهارة في رق طاهر بعد صلاة الفجر وحمله معه يسر الله عليه يومه وعظم قدره عند العالم العلوي والسفلي. ‏ذلك أن حرف الدال ظهر في اسم الله الدائم والودود وكان في الأسمين أحمد ومحمد ، وهو يشير إلى أن الدوام آخر المنتهى ولأنه له الديمومة أولاً وآخراً.


‏كما يبدو أن البوني قد استفاد من طب أبقراط (460 ق.م) فاستخدم العناصر الأربعة في نظريته (النار، الهواء، التراب، الماء) على أساس أثرها على الدم، ‏وربط العناصر(النار، الهواء، التراب، الماء) على أساس أثرها على الدم بأخلاط الجسم الأربعة(الصفراء، البلغم، الدم، السوداء) فهذه أربعة في أربعة ‏وربط الكاتب العناصر الأربعة بأسماء عفاريت الجن الاربعةالكبار وعروشهم في الأرض و زمان تصعدهم (نشاطهم)فصول السنةالاربعة!! ‏العجيب أن اسطورة العفاريت الاربعة الكبار وخصائصهم وجدت لها مكان في السينما العالمية وتحديدا في سلسلة ملك الخواتم!!
المهم أن ‏مؤلف الكتاب ابي العباس البوني ذكر أن عفريت الجن (دنيائيل) صاحب الشرق يتصعد في فصل الربيع، وعفريت الغرب أسمه (درديائيل) يتصعد في فصل الخريف. ‏وأن عفريت الجن (أشيائيل) صاحب الشمال يتصعد في فصل الشتاء، وعفريت الجنوب أسمه (حزقيائيل) يتصعد في فصل الصيف !!



‏افترض الكاتب انه إن أردت استحضار أحد عفاريت الجن الأربعة فيجب ان تتفق كل التفاصيل الكونية لتنجح جلسة الاستحضار !! ‏حيث يدعي أن الظروف المكانية والزمانية والعضوية والوقتية تتفق ضمن أربع مجموعات موحدة ولعل ذلك يتوافق مع اساطير اغريقية!! ‏بل إن كاثدرائية القديس بطرس بالفاتيكان بنيت على هذا الافتراض بربط الجهات الأربع بعناصر الكون(الماء،الهواء،النار،الارض) ‏ومازالت بعض الجمعيات التي تهدف للعودة للطبيعة تؤيد هذا الفرضية باستثناء العناصر الأربعة التي دمغتها نظريات الفيزياءالحديثة.

‏نعود لكاهننا وعفاريته الأربعة والذي يقول "ان من أراد استحضار عفريت من عفاريت الجن الأربعة الكبار عليه أن يكتب (بأحد الأخلاط الأربعة) في رقعة اسم العفريت المراد استحضاره ويحرقها على صفيحة نحاسية(أو العنصر المتوافق) ‏ويكتبها في الوقت المتوافق وفي الفصل الذي يتصعد في هذا العفريت ويستقبل الجهة التي هو صاحبها ويدعوا الدعاء التالي:
<اللهم ياسبوح ياقدوس رب الملائكة والجان والروح, أسألك أن تسخر لي (ويسمى العفريت) بقدرتك وجلالك لهشطش مشهش قطوش كهيوش ليوش .. .. .. أجيبوا وافعلوا ما تؤمرون>
‏يزعم الكاتب ان بهذا الدجل سيحضر العفريت وبعد أن يقدم له قربانه ينفذ له ما يريد !! 
‏ يقول الكاتب أيضا أنه"بفضل الله" اكتشف طريقة مجربة لدخول عالم الجان دون ان يروه ويلزم ذلك دخوله في حالة صفاء روحاني شرط أن لا يخاف حتى لا يتعرق ‏فيقول عن هذه الطريقة :




"اعلم أنك إذا أردت دخول العالم السفلي فعليك أن تختلي بمكان بعيد خال من الناس وبعيد عن الأصوات وتكون طاهر الثياب والبدن ‏وتصوم مدة الخلوة ولا تفطر إلا على زيت وزبيب ودقيق الشعير والخل إذا أمكن، على أن تكون مدة الخلوة سبعة أيام أولها الأحد وآخرها السبت ، ‏وأن تتلو الأسمين الشريفين (يا كريم يا رحيم) دائما وفي كل يوم من أيام الخلوة من غير تفتر في ذكرها وعقب كل صلاة صبح تقرأ سورة الكافرون 21 مرة. ‏فإذا كانت ليلةالأحد توقد نارا وتتلوا الأسمين ألف مرة حتى تنطفئ النار فتأخذ من رمادها وتضعه على رأسك وتصلي ركعتين وفي الركعةالثانيةترفع وتدعو: (‏اللهم أني اسألك ياشمخ شماخ العالي على كل براخ بالي أناديك ياسماشنوت شنوى ما سمع...) إلى آخر كلام غير مفهوم وفيه من الهذيان ما الله به عليم ، ‏فتسجد بعدها وتقرأ في سجدتك تلك سورة الجن وتختمها بقوله تعالى (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) تكررها ثلاثاً. ‏فما إن ترفع من سجدتك تلك حتى تراهم عين الرائي فإن مرّ عليك أحد من جان أو إنس أو وحش فلا تفزع فإنك تراهم ولا يرونك ولا يسمعونك إلا إذا "تعرقت"!!
‏من خلال استعراض الكاتب لأوصاف بعض من عفاريت الجان المعروفين وبإطلاعي على مصادر أجنبية تحتوي على صور قديمة تبين لي توافق الاصواف مع بعض الصور



‏أيضا نجد (الحكيم بوير) وهو عفريت برأس أسد وتحيطه خمسة أقدام يعلم ليتحرك في كل الاتجاهات، يعلم الفلسفة والمنطق والاخلاق. ‏أيضا ذكر الكتاب شخصيات أخرى تطابقت اوصافها مع أدبيات عالمية قديمة ..  وهنا بعض المصادر
‏وهنا قائمة قد تستأنسون بها لأشهر وأسوأ الشياطين في تاريخ الخرافة والأساطير بالعالم القديم

‏سادساً: الخلاصة
قبل الحديث عن رأينا في كتاب #شمس_المعارف الذي سبق لنا اقتناءه وقراءته مرتين يجب أن نقول بكل صدق، ‏ان #شمس_المعارف مرجع إسلامي وإرث تاريخي في علم الشياطين Demonology ولكن استخدامه لنصوص قرآنية يجعله كتاب شعوذة ودجل ولكن ‏الأهم لكثير من المتابعين هو تجربة قراءته والأثر الذي يحصل جراء ذلك وكم التجارب المحزنة بسبب الأعراض النفسية التي خلفها الكتاب. لقد حدثت تجارب مأساوية لاشخاص نعرفهم و آثار نفسية سيئة عقب قراءة هذا الكتاب وهناك من أصيب بإنهيار عصبي بعد دخوله في هلاوس سمعية .
‏إذا .. ماذا يحدث فعليا عند قراءة هذا الكتاب وما هو تفسير تلك الأحداث وسماع الأصوات و رؤية الكيانات رأي العين هل هي جان أم هذيان ؟


‏إن شمس المعارف.. حقيقة وكذب في نفس الوقت!! 
كذب في ادعاءه استحضار الجان وغيرها..
وحقيقة هي تلك الانفعالات العصبية التي تحدث حين قراءة الكتاب.
ان ‏التفسير الوحيد لدى الكثيرين ان هناك كائنات ماورائية لا نراها وترانا وتستطيع التحكم بنا بل وايذاءنا متى شائت وهذا الكتاب إنما يُسهل حدوث هذا الأمر!! ولكن في الواقع أن التركيبة الأساسية للبناء العقلي والنفسي للمسلم جاهزة للانهيار أمام هذه الاساطير من خلال الموروث الثقافي الذي تدعمه تفسيرات دينية خاطئة. ‏وحتى لا أكون مجحفا.. فكثير من الديانات والثقافات تحمل نفس الوازع والهاجس تجاه كائنات غير مرئية كالملائكة والشياطين والجان وغيرها



وما زلنا نرى في بعض دور العبادة من يعالج مريض بالفصام بقطعة صليب خشبية .. وآخر يضرب مصروعاً وهو بالع لسانه حتى توفي مختنقا ! ‏ولعل السحر و المس وكثير من الامراض النفسية هى أكثر الموضوعات التى تدور حولها الاساطير لسيطرة رجال الدين وفشل الاطباء في إيجاد حل سريع وناجع.
‏ولكن مع تطور العلم النفسي والسلوكي وإعادة قراءة الموروث الثقافي والديني قراءة معاصرة قل هذا الخوف وأصبح أكثر تعقلا في وجود الرقابة المؤسسية.

لقد عرضنا الامر الى الناحية العلمية واكدنا ان ما يحدث هي انهيارات عصبية تؤدي إلى هلوسات Hallucination كما يحدث لمريض الفصام (Schizophrenia) تماما. ‏تلك الأعراض ناتجة عن ايمان الشخص وخوفه من الكيانات الغير منظورة (وهذا شرط أولي) .
فإن لم تكن تؤمن بها فيعمد الكتاب إلى التدرج في الاقناع . ‏فيبدأ الكاتب باستخدام ايمانيات لدى المسلم بالغيبيات المعروفة (الله، الملائكة، الجان، الشياطين.. الخ) إلى الإيمان بقدرة الله على تسخيرها لك!! و ‏يكون ذلك من خلال استخدام مكونات مقدسة في النفس أو مسلمات كالآيات القرآنية والأسماء الحسنى والارقام ومكونات الطبيعية. ‏فما أن تؤمن بذلك حتى يتدرج من الايمان إلى العمل البدني من خلال طقوس وشعائر أشرنا لها سابقا.



من هنا تكون مهيئا لاستحضار تلك الكيانات (الجان) ‏أضف إلى ذلك ان الاستحضار يتطلب جهد بدني عالي وهذاالانهاك الجسدي مع تعاطي بعض الاعشاب الطبيعيةكالشعير وجوزةالطيب والصبار تهيئ للهلوسة الذهانية. ‏ومع أول (هلوسة سمعية) يبدأ هدم بنائك النفسي والعقلي وقد لا تنجح المحاولة في المرة الاولي فتتعلق نفسيا وتكرر المحاولة ‏حتى تصبح فريسة سهلة للإصابة بمرض الفصام الذي يتدرج بوجود قناعات ذاتية خاطئة الي هلاوس وضلالات سمعية ومن ثم مرئية. حتى ‏يتطور الامر الى الشعورالحسي بتلك الأوهام! وتصل إلى المعاشرةالجنسية مع الوهم (الجان) بعد عملية الاستحضار (الإيهام الذاتي).

‏للأسف ان معتقادتنا وبيئتنا الثقافية تسهل الإصابة بمرض الفصام في حين ان المجتمعات الغربية (بالذات اللادينيين) اقل إصابة. ‏إن الأضطراب النفسي (Psychosis) ينتج عند تعرضنا لتأثير خوف ما زرع فينا منذ الصغير!! فنستعيذ من الشيطان خوفاً.. أكثر من ذكرنا لله طمعاً !!


‏ونتعوذ منها في الخلاء!! ونقرأ حصن المسلم صباح مساء !!
حتى لا يتلبسنا الشيطان أو بعض من جان!!
ونسمي ونأكل بيميننا حتى لا تأكل الشياطين معنا!!
‏ولا يجوز وضع التصاوير في البيت حتى لا تهرب الملائكة و تدخل الشياطين !! واجعلوا القرآن في البيت "على مدار الساعة" والا ستدخل علينا عفاريت الجن والانس!!
‏ولا تضطجع إلا على يمينك!!
ولا تنم حتى تقرأ آية الكرسي والمعوذات لكي لا تتخطفك الشياطين!!
فبربكم، 
ان لم يكن ذلك هوساً فماذا يسمى؟!
لقد نشأ جيل كامل على هذا "الهوس" يرى الجان في كل يومه! فما إن يصاب بعارض نفسي بسيط حتى يدعي أنه ملبوس بجان او أصابته عين حاسد أو نفث ساحر!! ان ما يحدث من أعراض نفسية نتاج خوفنا فقط. فمجرد الاعتقاد بوجود وقوة كائنات لا نراها تزيدنا رهقا!! نعتقد انها تتربص بنا ونحن من يتربص بعقولنا



أتذكر حادثة وقعت أمامي لأحد الأصدقاء ،  لقد كان متخوفا من قراءة كتاب شمس المعارف ولكن أخذه الفضول في ذلك واستأذنني في قراءته ونحن سوية في غرفة واحدة ، ومن ثم بدأ بالقراءة ....


دخله الخوف بعد عدة صفحات , ثم شعر بفتور و دوار، ثم خفقان سريع في دقات قلبه، ثم ارتعاش في الاطراف، فبرودة و تنمل ثم تكزز كما في الصورة
في تلك اللحظة،  لم نشك أبداً انه في حالة تلبس.. ولكن ما ان نقلته الى المستشفى حتى قيل لنا أنه أصيب بحالةحالة(فرط التنفس) و تسميHyperventilation Syndrome (HVS)   وسببها الخوف الغير مبرر 
وتؤدي هذه الحالة عادة الى "نوبة هلع"  Panic Attach واعراضها تشابه ما يقال أنه تلبس 

‏موقف آخر،
أتذكر موقف آخر مشابه، حدث معي أيام جاهليتنا الأولى (بداية التسعينات)، حيث صاحبتُ صديق مقرباً الى "راقي شرعي" ليقرأ على والدته بعض من آيات الله ليشتري بها ثمناً بخس.  وكان ذلك "الراقي الشرعي" يقطن في هجرة بعيدةخارج المدينة . وكان موعدنا صباحاً وخشينا ان نتأخر عنه فواصلنا الليل بالنهار (أي لم ننم ليلتها) و وصلنا أيضاً ولم نتناول وجبة الافطار , فكان فينا من وعثاء السفر وكآبة المنظر ما الله به عليم . وكان الإعياء ظاهرا علينا وأشد ما كان على قريبي بوجهه الشاحب المصفر.
وصلنا تلك الهجرة النائية وذلك المكان البدائي في كل شيء ..
كان المكان يعج بالنساء، وصرخات بعضهن تملأ القرية كلها !!
 لقد كان منظراً مروعاً ومرعباً ومقززاً في نفس الوقت، ولكن لم تكن فكرة التراجع مطروحة بعد كل ذلك العناء فانتظرنا دورنا بلا حول  لنا ولا قوة ..
بعد فترة طويلة  - زادتنا رهقا- .. جاء دورنا ..
فتناول الشيخ "عجيزنا المسكينة" وأخذ يقرأ عليها وبجانبها أبنها ، فيما فضلت مراقبة المنظر عن كثب كمن على رأسه الطير.
وبعد قراءة طويلة لم تزد "عجوزنا" الا أيماناً توقف فجأة،
وألتفت إلى صديقي وأخذ يقرأ عليه بدلاً من أمه!!
فأشرت له  أن المريض هو المرأة المسنة وليس هذا الشاب، فأومأ برأسه "نافياً"، و أشار بعينيه لي أن انظر لوجه صديقك فهو من به علامات التلبس!!
وبالفعل لقد كان وجه صاحبي متغيراً !!
ولكن ربما كان ذلك أثر إعياء  السفر أو الصيام أو الإجهاد الذي نالنا من نصيب كبير حتى نصل الى هنا، ناهيك عن الرعب الذي  كان يملأ المكان. ولكن الشيخ استمر بالقراءة ظناً منه انه ملبوس فاصبح صديقي يتعرق ويرتعد  حتى بدأ بالصراخ فأخذ الشيخ يجلده وهو يقول أخرج منه ياعدو الله!!
وما إن بدأ بالتشنج حتى صرخت أمه قائلة "ياشيخ ترى الولد عنده سكر!!
 فبهت الذي كفر !!
نعم لقد كان مصاب بصدمة "انخفاض السكر" ولو لم نسعفه ببعض من تمر لقضى نحبه !!




إن اعراض انخفاض السكر أوHypoglycemia تشبه أيضاً ما يدعيه المهرطقون أنه "تلبس"ـ  فشحوب الوجه والتعرق والتصرف بعدوانية والتشنج ثم نوبات صرع هي علامات "صدمة نقص السكر" Hypoglycemic Shock

ولكن شيخنا (كغيره من مشائخ تجارة الوهم) و لجهله وجهالته ظن ان المسكين مصاب بما يسمونه في علم الدجل "تلبس الجان" ـ 
ولأنهم تجار دين فقد باعوا واشتروا بالقرآن ثمن بخس وحرفوا القرآن عن مواضعه  فاستشهدوا مثلا بقو له تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا  كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ) سنتوقف هنا قليلاً لإيضاح ما ألبسه الكهنة على الناس من خلال هذه الآية.
يجب اولا اعادة فهم معنى المصطلحات المس واللمس والشيطان والتخبط
أولا :المس في اللغة يأخذ عدة معاني، منها مسك الشيء باليد، ومنها “الحاجة الماسة” المهمة، ومنها معنى المس العقلي أي الجنون، لذا يجب ارجوع لسياق الآية
ثانياً: اللمس وهو الملامسة ويقوم به طرفين بشكل متبادل وليست مجرد "مس" طفيف يقوم به طرف واحد وقد تعني الجماع (أو لامستم النساء) (لمس) ومن هنا نستطيع أن نفرق بين "مس" في قوله تعالى (أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر). و "لامس" في قوله تعالى (أو لامستم النساء).
ثالثاً: الشيطان:  وهو من شاط، يشيط فهو شيطان والشط هو البعد والطرف والشطن الزيادة والانحراف وشطح في القول أي تشعب وانحرف عن مسار الحديث. وبالتالي الشيطان هو حالة الوهم والتطرف في العقل الانساني. أما إن وردت إسم (فيعال) فتعني حالة حقيقية لشئ غريب أو بعيد عن المألوف
هنا نفهم قوله تعالى "يتخبطه الشيطان من المس" أي أن المجنون يغلب على عقله الوهم، ومهمة الشيطان "حالة الوهم في العقل اللاواعي" هو خلط الحق بالباطل، وإيهام الإنسان بأشياء لا صحة لها، وما يتم تأويله أنه الجن يدخل في الإنسان ويحدث حالة تشنج هستيرية فهو هراء محض.




إن ما يسمى بجلسات "الرقية الشرعية" للوقاية من العين والسحر والجان هي نسخة عربية من  جلسات طرد الارواح والتي  تسمى "Exorcisms" وتقوم على المعالجة النفسية من خلال استغلال الدين ونوازع الشر والخير في الانسان .  إن هذه الجلسات "في آليتها" ليست ببعيدة أيضاً عن جلسات تحضير الارواح أو (Séances) وهي محاولة للإتصال مع أرواح الموتى. وللعلم، أن لهذه الجلسات آثار سلبية واعتلالات نفسية سيئة وإن ادعى ممارسوها من مشعوذين ورجال الدين أنها علاج رباني. كما أن جلسات الرقية أو طرد الأرواح ماهي إلا استحضار لنوازع الخير والشر؛ و الحب والكراهية؛ و الخوف والطمأنينة في النفس البشرية



لقد ترجم علم النفس هذه المماراسات (وللأسف قام هو أيضاً الآخر بممارستها)  الى ما يسمى بعملية الإيحاء ذاتي  "Hypnosis" والتي  تعرف بالتنويم المغناطيسى، وتهدف الى إيقاف أي تنبيه للمخ و إنخفاض الوعي تدريجياً، ثم تمكينه من أن يوحى للشخص النائم بما يريد أو قد تتحرك فيه نوازع الشر او الخير .


إن مسألة المعالجة بنصوص مقدسة و أدعية قرآنية أو إنجيلية أيضا ليست سوى تنجيم و رجم بالغيب وحديث عن أمور غير علمية.  ونحن نرى أن ما يسمى بجلسات الرقية الشرعية إنما هي دجل تعيدنا إلى حضيرة الشعوذة ولكن  بعباءة الدين هذه المرة.
إن تجارة الوهم رائجة منذ الأزل، ولا عاصم لها بعمر أو جنس أو ثقافة او دين. إنما يعصمنا العقل والعلم ونبذ الجهل ورجاله. إن تجارة الوهم هي انتحار للعقل واستغلال لمشاكل المجتمع الصحية والنفسية والاجتماعية بوسائل بدائية لا تخضع لا لعقل ولا لعلم ولا لمنطق.

انتهى .